آية كتمان الشهادة في سورة البقرة: لماذا نُسب الإثم إلى القلب
المغزى: الكتمان لا يظهر على اللسان لأنه امتناع لا فعل، فنُسب إثمه إلى القلب الذي علم ثم اختار الإخفاء، والشهادة وديعة من العلم كما أن الأمانة وديعة من المال.
يقول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ﴾ [البقرة: 283].
والتأمل في موضع الإثم في هذه الآية يكشف دقة التعبير. فلم يقل سبحانه “فإنه آثم”، ولم يقل “فقد أثِم”، بل قال ﴿ آثِمٌ قَلْبُهُ ﴾، فنسب الإثم إلى القلب وحده.
ولهذا النسب سبب. فكتمان الشهادة ليس فعلًا باللسان، بل هو امتناع عنه. اللسان ساكن، لا يُرى منه شيء ولا يُسمع منه حرف. والذي يعمل في الكتمان هو القلب، لأنه هو الذي عَلِم ثم اختار أن يُخفي. فجاء التعبير مطابقًا للفعل: معصية باطنة، فنُسب إثمها إلى الباطن.
ثم إن الآية نفسها تقدّم قبل هذه الجملة قوله تعالى: ﴿ فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ﴾. فقُدّمت الأمانة، ثم جاءت الشهادة. والعلاقة بينهما واحدة، فالأمانة أن يردّ الإنسان ما استُودع من مال، والشهادة أن يردّ ما استُودع من علم. وكلاهما وديعة، وكلاهما يُؤدّى إلى صاحبه.
وأشد ما في الآية أنها لم تشترط أن يسأل أحد صاحب الشهادة عنها. فالكتمان يقع والعلم ساكن في الصدر، لا يعلمه أحد غير صاحبه وغير الله، كما تختم الآية: ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾.
اللهم طهّر قلوبنا، وأعنّا على أداء ما استُودعنا من مال وعلم وشهادة، واجعلنا ممن يقول الحق ولو على نفسه.