الوعيد في سورة النور معلّق على محبة إشاعة الفاحشة قبل الكلام بها
قد يقع المرء تحت الآية وهو ساكت إن ارتاح قلبه لانتشار عيب أخيه، والستر امتناع عن الإشاعة لا كتمان لحق ولا تعطيل لنصيحة.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: 19].
وموضع التأمل في الآية هو موضع الوعيد. فلم يقل سبحانه: الذين يُشيعون، بل قال: الذين يُحبّون أن تشيع.
فالعقوبة معلّقة على ميل القلب، قبل أن يتحرك به لسان أو تنقله يد. ومعنى ذلك أن المرء قد يقع تحت الآية وهو ساكت، إن كان في نفسه ارتياح لانتشار عيب أخيه.
وجاء الجزاء في السنة على الضد من جنس العمل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ومَن سَتَرَ مسلمًا سَتَرَهُ اللهُ في الدنيا والآخرة»، رواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهو جزء من الحديث الطويل «من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا».
والستر المأمور به ليس كتمانًا للحق، ولا تعطيلًا للنصيحة، ولا سكوتًا عن مظلمة لصاحبها. فالنصيحة تُبذل لصاحبها، والحق يُقام عند أهله. وإنما الستر امتناع عن الإشاعة، وعن أن يصير عيب المسلم مادة تُتداول في المجالس.
وأشق صوره أن يسكت المرء وهو قادر على الكلام، وفي الكلام حظ لنفسه.
ومن لطيف ما في الحديث أن الجزاء جاء بلفظ الفعل نفسه: سَتَر فسُتِر. فمن أحب أن يُستر عليه يوم لا يستر عليه إلا الله، فليبدأ هو بالستر اليوم.
اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، واجعلنا ممن يحفظ إخوانه في غيبتهم كما يحب أن يُحفظ.