آية التبيّن في سورة الحجرات: أمر واحد وعلّتان، والتبيّن قبل العمل لا بعده
يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6].
وفي بناء الآية أمر واحد وعلّتان. فالأمر قوله: فتبيّنوا. والعلّة الأولى: أن تصيبوا قومًا بجهالة. والعلّة الثانية: فتصبحوا على ما فعلتم نادمين. وبين الإصابة والندم مسافة لا تُدرك إلا بعد وقوعها، ولذلك جاء التبيّن مقدّمًا على العمل، لا لاحقًا له.
والتبيّن عند أهل التفسير ليس الشك في كل خبر، وإنما طلب البيان قبل البناء عليه. فالخبر يُسمع، ولا يُعمل به حتى يثبت. ولذلك لم تقل الآية: فردّوه، بل قالت: فتبيّنوا.
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من حدّث عني بحديثٍ يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين»، أخرجه مسلم في مقدّمة صحيحه، والترمذي وابن ماجه، عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، وصحّحه الألباني. فجعل ناقل الخبر شريكًا لقائله، وهذا أصل عظيم في زمن تنتقل فيه الأخبار بلا حساب.
وأكثر ما يُبتلى به الناس اليوم ليس خبرًا يأتي من فاسق، بل رقمًا يأتي من آلة لا يُعرف من أين أخذته. والآلة لا تتعمّد الكذب، لكنها لا تتبيّن، فيبقى التبيّن تكليفًا على من يسمع وينقل.
نسأل الله أن يرزقنا التثبّت قبل القول، وأن يعافينا من ندم العجلة.