ولا تبخسوا الناس أشياءهم: نهي يبدأ عند الميزان ثم يتجاوزه
البخس ليس نقصًا في أداة القياس، بل إنقاص الشيء عن قيمته، ولذلك يقع حيث لا ميزان أصلًا: في الأجر والعمل ونسبة الفضل لأهله.
قال الله تعالى: ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: 85].
في الآية أمران متتابعان، والثاني أوسع من الأول بكثير.
الأول عن الكيل والميزان، أي عن أداة القياس. والثاني عن الشيء نفسه: ولا تبخسوا الناس أشياءهم.
والبخس ليس نقصًا في الميزان، إنما هو أن يُنقص الشيء عن قيمته التي يستحقها. ولهذا يقع البخس حيث لا ميزان أصلًا. يقع في أجر عامل يُعلم أنه يستحق أكثر مما أُعطي، وفي عمل رجل ينسبه غيره إلى نفسه، وفي اسم صاحب فضل يوضع على ما ليس له.
ثم تُختم الآية بما يشبه التعليل: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾. فيُجعل البخس بابًا من أبواب الفساد، لا خطأً بين اثنين ينتهي بينهما، لأن السوق التي يُبخس فيها الناس لا يأمن فيها أحد على شيء.
والاقتران نفسه ثابت في موضع آخر، في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء: 183].
وفي بيئات العمل الحديثة صور كثيرة لهذا المعنى، حيث لا كيل ولا ميزان بالمعنى الحرفي، لكن فيها أجورًا تُقدَّر، وجهودًا تُنسب، وأسماء توضع على الأعمال. وكلها داخلة في النهي نفسه.
اللهم ارزقنا الإنصاف فيما نأخذ وفيما نعطي.