التوكل في سورة الطلاق وحديث الطير: الكفاية تأتي مع السعي لا مع تركه
الطير التي يُستدل بها على ترك السبب لم تُرزق في أوكارها، بل خرجت أول النهار. فالتوكل محله القلب، والسبب محله الجوارح، ولا يغني أحدهما عن الآخر.
قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: 3].
في جواب الشرط لفتة. فلم يقل سبحانه إن المتوكل غني عن العمل، وإنما قال: ﴿فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. و“الحسب” في اللغة هو الكافي، والكفاية إنما تُطلب مع بذل السبب لا مع تركه.
فالتوكل محله القلب، والسبب محله الجوارح، ولا يغني أحدهما عن الآخر.
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا». رواه الترمذي (2344) وابن ماجه (4164)، وقال الترمذي: حسن صحيح.
وموضع الحجة في الحديث كلمة واحدة: «تَغْدُو». فالطير لم تُرزق وهي ساكنة في أوكارها، وإنما خرجت أول النهار خماصًا، أي ضامرة البطون، ثم عادت آخره ممتلئة.
فذُكر السعي في الدليل نفسه الذي يستدل به بعضهم على ترك السعي.
ثم قُيّد الأمر بقوله: «حَقَّ تَوَكُّلِهِ»، لأن التوكل درجات، وأدناها ما خالطه سكون القلب إلى غير الله.
فليس التوكل ترك السبب، بل فعله مع انصراف القلب عن أن يرى فيه الرازق.
اللهم ارزقنا سعيًا لا يشغلنا عنك، وثقة بك لا تقعدنا عن السعي.