مقالان في يوم واحد عن سبب تراجع العمل البرمجي غير المدفوع في زمن الذكاء الاصطناعي
المغزى: حجتان مختلفتان تصلان إلى النتيجة نفسها، فالأولى ترى أن المبرمج يفقد التمرين والثانية ترى أنه يفقد القارئ، والحاصل أن ما كان يُنتج بلا مقابل يقل.
في 9 أكتوبر 2026 نشر كاتبان مقالين منفصلين يقتربان من القلق نفسه من زاويتين مختلفتين: ماذا يحدث للعمل البرمجي والفكري الذي لا يُدفع مقابله حين يتولى الذكاء الاصطناعي جزءًا متزايدًا منه.
الأول Glyph Lefkowitz، أحد مؤلفي مكتبة Twisted. وحجته أن البرمجة فن، وأنه “لا ينبغي استخدام الذكاء الاصطناعي لإنتاج الفن”. ويرى أن المشروع العادي الممل هو موضع التمرين. فكل مشروع عادي فيه احتمال صغير، يقدّره بنحو 0.1% على سبيل المثال لا القياس، أن يتحول إلى شيء عظيم. ولو صار إسناد كل المشاريع العادية إلى الأداة عادة، ينخفض مجموع هذا الاحتمال من “أحيانًا بالتأكيد” إلى “أبدًا”.
والثاني Fernando Borretti، وزاويته مختلفة. فهو يكتب أن النشاط الفكري الفردي لا يستمر إلا داخل مجتمع فكري من البشر. ويحتاج إلى أمرين لا يصنعهما الفرد وحده: رصيد مشترك يبني عليه، ودافع. والدافع عنده نوعان: داخلي عابر، وخارجي يأتي من اعتراف الناس وحاجتهم إلى ما يكتبه. ويرى أن الذكاء الاصطناعي يفكك هذه المجتمعات، فيصبح النقاش التقني “أضيق وأسطح وأكثر تكرارًا”.
والآلية في حجة Borretti مباشرة. فالمطور يكتب المكتبة أو المقال لأن أحدًا سيقرؤه ويبني عليه. وحين يتجه السؤال إلى نموذج بدل شخص، يضيق الجمهور، فيقل الاعتراف، فيضعف الدافع الخارجي، فيتراجع العمل غير المدفوع. ولا يقدم المقال أرقامًا، فحجته نوعية بالكامل.
والحجتان لا تتفقان في السبب. فالأولى تتحدث عن فقدان التمرين، والثانية عن فقدان القارئ. لكنهما تصلان إلى الأثر نفسه: يقل ما كان يُنتج بلا مقابل، من مكتبات مفتوحة ومقالات وإجابات.
ويختلف الوضع في المحتوى التقني العربي. فالفراغ فيه ما زال واسعًا، والإجابة العربية المتخصصة ما زالت في الغالب لا تأتي إلا من شخص كتبها. وقد يعني ذلك أن الدافع الخارجي الذي يصفه Borretti ما زال قائمًا لمن يكتب بالعربية، بقدر ما بقي القارئ يبحث عن كاتب لا عن نموذج.