العمر في حديث أبي برزة: الشيء الوحيد الذي لا يُسأل عن مصدره
المال يُسأل عنه من أين جاء وفيمَ ذهب، أما العمر فعطاء محض لا يبقى فيه إلا سؤال المصرف، وتعاقب الليل والنهار يعني أن باب التدارك لم يُغلق.
قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: 62].
والخِلْفة أن يخلف أحدهما الآخر، فما فات في الليل أمكن تداركه في النهار، وما فات في النهار أمكن تداركه في الليل.
وعن أبي بَرْزة الأسلمي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزولُ قدَما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيمَ أفناه، وعن علمه فيمَ فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه، وعن جسمه فيمَ أبلاه». رواه الترمذي برقم 2417، وقال: حديث حسن صحيح.
وفي ترتيب المسؤول عنه في الحديث أمران يلفتان النظر.
الأول أن المال وحده سُئل عنه سؤالين: من أين جاء، وفيمَ ذهب. أما العمر فسؤال واحد: فيمَ أفناه. لأن العمر لا مصدر له يُسأل عنه، فهو عطاء محض لم يكتسبه أحد، فلم يبقَ فيه إلا سؤال المصرف.
والثاني أن العمر سُئل عنه مرتين في الحديث: مرة جملةً في أوله، ومرة في آخره في صورة أضيق، وهي الجسم فيمَ أبلاه. فالمهلة تُسأل، ثم تُسأل الأداة التي أُنفقت بها.
وفي الآية ما يخفف ثقل هذا السؤال. فقد جُعل الليل والنهار خِلْفة، أي أن الباب لم يُغلق بعد، وأن ما فات من يوم يمكن أن يُستدرك في الذي يليه، لمن أراد أن يذّكّر أو أراد شكورًا.
اللهم اجعل أعمارنا في طاعتك، وبارك لنا فيما أعطيتنا، وارزقنا شكرًا يدوم وعملًا يبقى.