الحياء في سورة القصص: خُلق وُصف به المشي قبل أن يوصف به الكلام
الحياء المحمود ما حجز صاحبه عن القبيح، أما ما حجزه عن طلب العلم أو قول الحق فضعف يلبس اسمه.
قال الله تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص: 25].
وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال: «دعه، فإنّ الحياء من الإيمان». رواه البخاري (24) ومسلم (36).
وموضع التأمل في الآية أن الحياء وُصف به المشي. فلم يقل: تتكلم على استحياء، ولا: تنظر على استحياء، وإنما جُعل الوصف لاحقًا بالمشية نفسها.
وفي هذا معنى دقيق، هو أن الحياء خُلق يظهر في الهيئة قبل أن يظهر في العبارة. يُعرف في المشية، وفي خفض الصوت، وفي موضع الجلوس، قبل أن يُعرف في الكلام.
ثم إن الحديث جعله «من الإيمان»، لا زينة عليه ولا فضلًا زائدًا عنه. وفي صحيح البخاري (6117) أيضًا: «الحياءُ لا يأتي إلّا بخير». وهي عبارة جامعة، نفت عنه الشر نفيًا مطلقًا ولم تستثنِ.
ومن دقيق ما فرّق فيه أهل العلم أن الحياء المحمود ما حجز صاحبه عن القبيح. أما ما حجزه عن طلب العلم، أو عن قول الحق في موضعه، فليس منه، وإنما هو ضعف لبس اسمه.
ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها: «نِعمَ النساءُ نساءُ الأنصار، لم يمنعهنّ الحياءُ أن يتفقّهنَ في الدين». رواه مسلم (332).
فالحياء يمنع من السوء، ولا يمنع من الحق.
اللهم ارزقنا حياءً يحجزنا عما تكره، ولا يحجزنا عما تحب، واجعلنا ممن يستحيي منك حق الحياء.