التطفيف في سورة المطففين: الغش بإخفاء العيب لا بقول الكذب وحده
لم يُذم الربح وإنما ذُم البخس، والغش قد يكون سكوتًا عن عيب معلوم، وصوره في المنتجات والخدمات اليوم أكثر من صوره في الكيل والميزان.
قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: 1].
والتطفيف نقص يسير في الكيل والوزن، حبّات تُبخس، ومع ذلك توعّد الله فاعله بالويل. وإنما عظُم الأمر لأن الخيانة لا تُقاس بحجمها، بل بما تدل عليه من غياب الصدق.
وفي صحيح مسلم (102) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ على صُبرة طعام تُباع، فأدخل يده فيها فوجد بللًا تحت اليابس، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟» قال: أصابته السماء، أي المطر. فقال: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غشّ فليس مني».
ودقة الموقف أن البائع لم يكذب بلسانه، وإنما أخفى المبلول تحت الجاف. فسمّاه النبي صلى الله عليه وسلم غشًا، لأن الغش ليس أن يُقال ما ليس بحق فحسب، بل أن يُظهر المرء خلاف ما يُبطن، ولو بالسكوت.
ولهذا الباب صور كثيرة في أعمال اليوم: عيب معلوم في منتج يُخفى عن العميل، وشهادة عميل لم تُقل تُكتب، ورقم يُجمَّل، ووعد لا يُوفى، وميزة تُذكر في الإعلان ولا وجود لها في التطبيق. وكلها صُبرة حسنة المظهر، تحتها بلل.
وليس المطلوب أن يُنقص المرء من قدر ما يصنع، بل أن يصدق فيه. فالله لم يذم الربح، وإنما ذم البخس. قال تعالى على لسان شعيب عليه السلام: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [هود: 85]، وقال: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: 9].
وفي فضل الصدق في البيع روى الترمذي (1209) عن أبي سعيد رضي الله عنه: «التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء»، وقال الترمذي: حسن، وتكلم بعض أهل العلم في إسناده، ومعناه يشهد له غيره. وقد جُعل الصادق في معاملته في هذه المنزلة لأن حفظ الأمانة مع القدرة على الخيانة من أثقل ما يُوزن.
والصدق في العمل بركة لا تظهر في الأرقام مباشرة، لكنها تظهر في ثقة تتراكم وسمعة لا تُشترى.
اللهم اجعل كسبنا حلالًا طيبًا، وأعذنا من الغش في القول والعمل، وارزقنا الصدق حيث لا يرانا إلا أنت.
المصادر
من عدد الأحد 27 محرم - 12 يوليو