آية الحديد: تقديم الكتاب والميزان على الحديد، ووصف الحديد بالبأس والمنافع معًا
القوة في المادة نفسها تحتمل البأس والمنفعة، والمادة لا تختار وإنما يختار حاملها. ولهذا تقدّم الميزان، لأن القوة إن سبقت المعيار صار المعيار تابعًا لها لا حاكمًا عليها.
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد: 25].
في الآية ترتيب يستحق الوقوف عنده. فقد ذُكر الكتاب والميزان أولًا، ثم الحديد.
والكتاب هو الشرع، والميزان هو ما يُوزن به، أي المعيار الذي يُعرف به العدل من الظلم. ثم جاء ذكر الحديد بعدهما، وهو مادة الصنعة والقوة.
ولم يوصف الحديد بوصف واحد، بل بوصفين: ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ﴾. والوصفان في الشيء نفسه، لا في شيئين مختلفين. فالحديد الذي يُصنع منه المحراث هو الذي يُصنع منه السيف. والمادة لا تختار، وإنما يختار من يحملها.
ولهذا تقدّم الميزان. فالقوة إن سبقت المعيار لم يبقَ ما تُقاس به، وإن تأخر المعيار عنها صار تابعًا لها لا حاكمًا عليها.
وهذا ما يُبتلى به أهل الصنعة في كل زمان: أن يقيسوا أدواتهم بميزان سابق عليها، أو أن يجعلوا الأداة هي التي تحدد ما يجوز. فكل أداة جديدة تحمل البأس والمنفعة معًا، والفيصل في الميزان الذي يسبقها.
اللهم اجعل ما علّمتنا ميزانًا لما مكّنتنا منه، ولا تجعل قوتنا أسبق من عدلنا.