كونوا قوامين بالقسط ولو على أنفسكم: الشهادة على النفس أول الشهادة
المطلوب ليس أن يفضح المرء نفسه، بل ألا يكون الحق عنده حقًا حين يوافقه وشيئًا آخر حين يقع عليه.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135].
ترتيب الآية مقصود. بدأت بالقيام بالقسط، ثم بالشهادة لله، ثم جاء القيد الأثقل: ﴿وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾. فأول من تُقام عليه الشهادة هو صاحبها نفسه، قبل الوالدين والأقربين.
وليس المراد أن يفضح المرء نفسه، فالستر مطلوب، والله ستّير يحب الستر. وإنما المراد ألا يكون الحق عنده حقًا حين يوافقه، وشيئًا آخر حين يقع عليه.
ومن هذا الباب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن غشَّنا فليس منَّا»، أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وقد ورد في قصة صُبرة الطعام، حين أدخل النبي صلى الله عليه وسلم يده فيها فنالت أصابعه بللًا، فقال صاحبها: أصابته السماء يا رسول الله، فقال: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس».
ولم يكن الرجل كاذبًا فيما قال، وإنما كان الجاف في الأعلى والمبتل في الأسفل. فكتمان ما يضر المرء من الحق داخل في الغش، وإن لم يكن كذبًا صريحًا.
وعلى هذا، فإن إظهار عيب العمل قبل أن يكتشفه غير صاحبه هو عين الشهادة على النفس التي أمرت بها الآية.
اللهم اجعلنا ممن يقول الحق ولو على نفسه، ولا تزيّن لنا سوء أعمالنا، وارزقنا صدقًا في السر كصدقنا في العلن.