أكل أموال الناس بالباطل: الحل في التراضي لا في صورة العقد
قد تكتمل صورة المعاملة وتُوثَّق أوراقها وتبقى باطلة إن غاب الرضا، والعلم بأن الحق ليس لصاحبه وجه تشديد لا عذر.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 188].
وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: 29].
وفي الآية الثانية لفتة دقيقة، إذ لم يجعل الله الحِلّ في صورة المعاملة، بل في التراضي. فالبيع قد تكتمل صورته وتُوثَّق أوراقه وتُستوفى إجراءاته، ويبقى باطلًا إن غاب الرضا أو دخله الغرر.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحلُّ مالُ امرئٍ مسلمٍ إلا بطيبِ نفسٍ منه». رواه أحمد في المسند والبيهقي في السنن الكبرى عن أبي حميد الساعدي، وصححه الألباني في إرواء الغليل.
وقوله «بطيب نفس» أدق من التوقيع وأصدق من الإيصال، لأنه يصف ما في القلب لا ما في الورق. وكم من عقد صحيح في ظاهره، يعلم صاحبه أنه أخذ ما لم يُعطَ عن رضا.
وأشد ما في آية البقرة خاتمتها: ﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. فالخطاب موجه إلى من يعرف أن الحق ليس له، ثم يلتمس إليه طريقًا يبدو مشروعًا، كأن يُدلي بالمال إلى الحكام ليأخذ به فريقًا من أموال الناس. والعلم هنا ليس عذرًا، بل هو وجه التشديد.
ومن أنفع ما يُراجَع في هذا الباب: مصادر الدخل، وشروط العقود، وما يُؤخذ من زيادة لم يرضَ بها صاحبها.
نسأل الله أن يطيّب مكاسبنا، وأن يرزقنا حلالًا يُبارَك فيه، وأن يعصمنا من مال لا يرضاه.