الدفع بالتي هي أحسن في سورة فصلت: من رفع العداوة إلى الولاية
الرفق في الآية ليس طلبًا للسلامة من الأذى، بل تحويل للخصومة إلى ضدها، وهو خصلة لا يوفَّق لها إلا الصابر.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34].
والموضع في الآية دقيق. فلم يقل: فإذا العداوة قد ارتفعت، ولم يقل: فإذا هو قد كفّ عنك، بل بلغ بالأمر غايته: ﴿كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾. والوليّ الحميم هو القريب الذي تصله المودّة، لا من سلم المرء من أذاه فحسب.
فالدفع بالتي هي أحسن في هذه الآية ليس طلبًا للسلامة، وإنما هو تحويل للخصومة نفسها إلى ضدها.
وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إنّ الله رفيقٌ يحبّ الرفق، ويُعطي على الرفق ما لا يُعطي على العنف، وما لا يُعطي على ما سواه”. أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة.
وفي قوله “ويُعطي على الرفق ما لا يُعطي على العنف” معنى زائد على ذم العنف، فالرفق يُنال به عطاء لا يُنال بغيره أصلًا، مهما بُذل من الشدة.
وقال عليه الصلاة والسلام: “إنّ الرفق لا يكون في شيءٍ إلا زانه، ولا يُنزع من شيءٍ إلا شانه”. أخرجه مسلم أيضًا عن عائشة رضي الله عنها.
ولم تُترك الآية مطلقة، بل جاء بعدها مباشرة: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: 35].
فجُعلت خصلة لا يوفَّق لها إلا صابر، لأن أشق ما في الرفق أن يُبذل في موضع تكون فيه الشدة مبرَّرة.
اللهم ارزقنا الرفق في أمورنا كلها، واجعلنا ممن يدفع بالتي هي أحسن، ووفقنا لما تحبه وترضاه.