الأناة خصلة يحبها الله، لا مجرد حسن تدبير
العجلة لا تبدو لصاحبها عجلة، بل تأتي في صورة الحزم واغتنام الفرصة، ولا يتبيّن أمرها إلا بعد أن يمضي القرار ويتعذّر ردّه.
قال الله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ۖ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: 11].
تصف الآية طبعًا في الإنسان لا يحتاج إلى إثبات: أنه يستعجل، وأنه قد يستعجل ما يضرّه وهو يحسبه خيرًا.
ولما وفد على النبي صلى الله عليه وسلم وفدُ عبد القيس، قال لكبيرهم الأشجّ: “إنّ فيك خصلتين يحبّهما الله: الحِلم والأناة”. رواه مسلم.
والموضع هنا دقيق. فلم يقل النبي صلى الله عليه وسلم إنهما خصلتان نافعتان، ولا حكيمتان، ولا مفيدتان في العواقب، بل قال: يحبّهما الله. فانتقلت الأناة بذلك من باب حسن التدبير إلى باب ما يُتقرَّب به إلى الله.
والأناة ليست بطئًا ولا ترددًا ولا تأجيلًا. إنما هي أن يُعطى الأمر قدره من النظر قبل أن يُمضى.
وقد رُوي عنه صلى الله عليه وسلم: “التأنّي من الله والعجلة من الشيطان”، أخرجه أبو يعلى والبيهقي، وحسّنه أهل العلم بمجموع طرقه.
ولعل أدق ما في هذا الباب أن العجلة لا تُشعر صاحبها بأنها عجلة. فهي تأتي في صورة الحزم، وفي صورة اغتنام الفرصة قبل فواتها، ولا يتبيّن أمرها إلا بعد أن يمضي القرار ويتعذّر ردّه.
ومن هنا كان الحلم قرين الأناة في الحديث، لأن أكثر ما يستعجل فيه المرء إنما يستعجله وهو غاضب، أو خائف من الفوات.
اللهم ارزقنا الأناة في أمورنا كلها، وجنّبنا عجلة تُفسد علينا ما أصلحناه، ووفّقنا لما تحبه وترضاه.