إيمانياتقراءة دقيقتين

حفظ اللسان في آية سورة ق وحديث حصائد الألسنة

المغزى

الكلمة تخرج خفيفة وينساها صاحبها، لكنها مكتوبة كلها، وأكثر ما يُهلك الإنسان ما يستخف به من قوله لا ما يتحرّز منه.

قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].

وموضع التأمل في الآية أنها لم تقل: ما يلفظ من قول سيئ، بل أطلقت القول كله. فكل لفظة تخرج من العبد مكتوبة، لا فرق في الكتابة بين ما استعظمه هو وما استخف به.

ولذلك كان أكثر ما يُهلك الإنسان ما يراه هيّنًا من كلامه، لا ما يعلم أنه كبير فيتحرّز منه.

وقد جاء هذا المعنى صريحًا في وصية النبي ﷺ لمعاذ بن جبل رضي الله عنه، حين أخذ بلسانه وقال: «كُفَّ عليك هذا». فقال معاذ: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: «ثَكِلَتْكَ أمُّك يا معاذ، وهل يَكُبُّ الناسَ في النارِ على وجوههم إلا حصائدُ ألسنتِهم». رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

والوقوف عند لفظ «حصائد» يكشف معنى دقيقًا، إذ جعل الكلام زرعًا. والزرع لا يُحصد يوم يُبذر، وإنما يُترك حتى يشتد، ثم يُحصد بعد حين. فالكلمة تخرج من صاحبها خفيفة، ويمضي وينساها، وهي تنبت.

ثم جعل النبي ﷺ الصمت عِدلًا للقول الحسن، فقال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت». رواه البخاري ومسلم. فلم يجعل بينهما خيارًا ثالثًا يسكن إليه المتكلم.

اللهم احفظ علينا ألسنتنا، واجعل ما نقوله حجة لنا لا علينا، وارزقنا صمتًا يقربنا إليك، وقولًا لا نُسأل عنه يوم نلقاك.

المصادر

  1. سورة ق، الآية 18
  2. تفسير الآية
  3. حديث معاذ بن جبل في حفظ اللسان، سنن الترمذي 2616
  4. حديث فليقل خيرًا أو ليصمت، صحيح البخاري 6018
  5. الحديث نفسه في صحيح مسلم 47
  6. شرح حديث حصائد الألسنة في الموسوعة الحديثية

من عدد الخميس 14 ربيع الأول - 27 أغسطس

أخبار ذات صلة

أخبار الخميس 14 ربيع الأول - 27 أغسطس