الإخلاص والنية: قدر العمل بما نواه صاحبه لا بما رآه الناس
النية ليست عقدًا يُبرم مرة في أول العمل، بل شيء يتبدل في أثنائه، ولذلك يكبر العمل الواحد ويصغر بحسب ما قام في القلب.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البيّنة: 5].
جعل الله الإخلاص داخلًا في أصل الأمر، لا وصفًا زائدًا عليه.
وقد افتُتح صحيح البخاري بحديث: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»، رواه البخاري (1) ومسلم (1907). وموضع التأمل في الحديث ليس في أوله، بل في آخره.
فقوله «وإنما لكل امرئ ما نوى» ليس تكرارًا للجملة الأولى، بل تقييد لها. فالجملة الأولى تخبر أن العمل يصح أو يبطل بحسب النية، والثانية تخبر أن صاحبه لا يُعطى إلا قدر ما نوى، وإن كان عمله في أعين الناس عظيمًا. فالعمل الواحد يكبر ويصغر بحسب ما قام في القلب، لا بحسب ما رآه الناس منه.
وفي صحيح مسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ»، رواه مسلم (2564).
وأشق ما في هذا الباب أن النية ليست عقدًا يُعقد مرة واحدة في أول العمل ثم يُترك، بل هي شيء يتبدل في أثنائه. فقد يبدأ المرء عمله لله، فإذا اطّلع عليه الناس وأثنوا، دخل عليه في وسطه ما لم يكن في أوله.
ولهذا كان السلف يتعاهدون نياتهم في العمل الواحد مرارًا، ولم يكونوا يرون بلوغ آخره أمانًا من أوله.
اللهم اجعل أعمالنا كلها صالحة، واجعلها لوجهك خالصة، ولا تجعل لأحد فيها شيئًا.