الغيبة في القرآن والسنة: صدق الكلام لا يجعله مباحًا
الصدق شرط وقوع الغيبة لا عذر لها، فإن لم يكن الكلام صحيحًا صار بهتانًا، ومن أراد سلامة لسانه بدأ من الظن قبل الكلام.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: 12].
والتشبيه في الآية مقصود، وفيه دقة تستحق الوقوف. فالغيبة إنما تقع على من ليس حاضرًا ليدفع عن نفسه، فشُبّهت بأكل لحم ميت، لأن الميت لا يملك دفعًا ولا جوابًا.
وقد سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن حدّها، فقال: «أتدرون ما الغِيبة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «ذِكْرُك أخاك بما يكره». قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهتّه». رواه مسلم (2589).
وفي هذا الحديث تحرير يغفل عنه كثيرون: الصدق ليس عذرًا. بل إن الصدق هو شرط وقوع الغيبة أصلًا، فإن لم يكن الكلام صحيحًا صار بهتانًا، وهو أشد. وأكثر ما يجري في المجالس صحيح في نفسه، وهو الغيبة بعينها.
وقد استثنى أهل العلم ما كان لحاجة معتبرة، كالاستشارة في شريك أو خاطب، والتحذير من ضرر، ورفع مظلمة إلى من يقدر على رفعها. والضابط أن تكون الحاجة حقيقية، وأن يُقتصر على قدرها.
ومن لطيف نظم الآية أنها جاءت في سياق واحد مع الظن والتجسس، لأن الثلاثة درج متتابع: ظن يقود إلى تتبع، وتتبع يقود إلى كلام. فمن أراد أن يسلم لسانه، فليبدأ من أول الدرج لا من آخره.
اللهم طهّر ألسنتنا عما لا يرضيك، واحفظ لنا إخواننا في غيبتهم كما نحب أن نُحفظ.