الستر في سورة النور وحديث «لو سترته بثوبك»: صدق الخبر لا يبيح إشاعته
الميزان في نقل عيوب الناس ليس صحة ما يُقال، بل ما يصير إليه حالهم إذا قيل، ومن ستر غيره إنما يدّخر الستر لنفسه.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 19].
والآية في هذا الموضع لم تتوعد فاعل الفاحشة، بل توعدت من أحب إشاعتها. فجُعلت المحبة وحدها موجبة للوعيد، قبل النشر وقبل الكلام.
وهذا باب الستر، وهو غير باب الغيبة. فالغيبة ذكر المرء أخاه بما يكره وهو غائب، والستر أن يقع على عورة رآها فيطويها.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة». رواه مسلم (2699). وقال: «لا يستر عبدٌ عبدًا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة». رواه مسلم (2590).
وأبلغ ما في الباب أن رجلًا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن صاحب له وقع في ذنب، فقال له: «لو سترته بثوبك لكان خيرًا لك». رواه أبو داود (4377).
فالرجل كان صادقًا فيما نقل، ومع ذلك قيل له إن الستر كان خيرًا له هو.
وفي هذا بيان لطيف: أن صدق الخبر لا يبيح إشاعته، وأن الميزان ليس في صحة ما يُقال، بل فيما يصير إليه حال الناس إذا قيل.
والجزاء في الأحاديث كلها من جنس العمل: من ستر سُتر. فمن يستر غيره إنما يدّخر الستر لنفسه.
اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، واجعلنا ممن يَستُر فيُستَر.
المصادر
من عدد الخميس 30 صفر - 13 أغسطس