الإتقان في آية التوبة: عمل يراه الله قبل أن يراه الناس
المهارة تُعرف بالنظر، أما الإتقان فيبدأ فيما لا تقع عليه العين، ولذلك كان أقرب إلى الأمانة منه إلى المهارة.
قال الله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105].
وقد رُوي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يُتقنه». أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، وضُعّف إسناده من جهة أحد رواته، وهو مصعب بن ثابت، وحسّنه الألباني بشواهده، ومعناه موافق لأصول الشريعة.
والإتقان في اللغة إحكام الشيء، يقال: أتقن الأمر إذا أحكمه وأحسن صنعه. فليس الإتقان كثرة العمل، بل إحكامه.
وموضع التأمل في الآية أنها قدّمت رؤية الله على رؤية الناس. فالعمل يُرى مرتين: يراه الناس فيحكمون على ظاهره، ويراه الله فيعلم ما استتر منه.
وأكثر ما يُفسد العمل أن يُقاس بما يظهر منه دون ما بُني عليه. فيُحسَّن ما تقع عليه العين، ويُترك ما لا تقع عليه، وهو في الحقيقة أصل العمل وأساسه.
ولذلك كان الإتقان أقرب إلى الأمانة منه إلى المهارة. فالمهارة تُعرف بالنظر، أما الأمانة فلا يعلمها إلا صاحب العمل وربه.
وفي قوله «أن يُتقنه» تعليق للمحبة على الفعل نفسه، لا على أثره ولا على ثمرته. فقد يُتقن العبد عمله ولا يُثمر في الدنيا، ويبقى الإتقان محبوبًا عند الله على كل حال.
اللهم اجعلنا ممن أحسن العمل في السر كما أحسنه في العلن، وبارك لنا فيما علّمتنا، واجعل أعمالنا خالصة لوجهك.
المصادر
من عدد الأحد 19 صفر - 2 أغسطس