آيتا سورة ق عن الرقيب العتيد وخلاف المفسرين في سعة ما يُكتب من القول
يقول الله تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [سورة ق: 17-18].
وفي الآيتين ثلاثة أوصاف، يضيف كل منها معنى غير الذي قبله. أولها أن عمل الملكين تلقٍّ لا تأليف، فالمتلقي يأخذ ما وُجد كما وُجد. وثانيها الحضور والإعداد: قال الطبري إن الرقيب حافظ يحفظ، و“عتيد” مُعَدّ، ونقل عن مجاهد أن الذي عن اليمين يكتب الحسنات، والذي عن الشمال يكتب السيئات. وقال البغوي في معنى “عتيد”: حاضر أينما كان. وفي الوسيط للطنطاوي: عتيد أي مهيأ لذلك، حاضر عنده لا يفارقه. وثالثها أن المكتوب هو اللفظ نفسه، كما تقول الآية: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾.
والذي يستوقف في ترتيب الآيتين أن الحاضر حاضر قبل الكلام لا بعده. فالقعيد قاعد قبل أن يتكلم الإنسان، لم يُستدعَ ولم يُستأذن، وهذا ما يحمله وصف “عتيد” عند أهل التفسير.
وقد اختلف العلماء في سعة ما يُكتب. فقال الحسن وقتادة إنه يُكتب كل ما يُلفظ به، وقال ابن عباس إنما يُكتب ما فيه ثواب أو عقاب. ونقل ابن كثير القولين، ثم قال إن ظاهر الآية هو الأول، لعموم قوله: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.
وعلى القولين جميعًا فالباب واحد: الحفظ قائم، والاحتياط يكون في اللفظ نفسه، لا في تقدير ما يُكتب منه وما لا يُكتب.
اللهم اجعل ما يُكتب علينا خيرًا، واحفظ ألسنتنا عما لا ينفع، واجعل سرائرنا أحسن من علانيتنا.