التطفيف في سورة المطففين: الوعيد على النقص اليسير لا على السرقة
المغزى: المطفف لا يجهل الميزان بل يعرفه ويستعمله في جهة واحدة، يستوفي حقه تامًا ويُنقص حق غيره، وموازين اليوم تشمل ساعات العمل ونسبة الجهد إلى صاحبه وبيان عيب المبيع.
يقول الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُوا۟ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: 1-3].
والتطفيف في اللغة هو النقص اليسير، من الطفيف أي القليل. ولم تقل الآية: ويل للسارقين. وهنا موضع العبرة كله، فالمطفف لا يأخذ ما ليس له كله، وإنما ينقص قليلًا لا يكاد يُرى. ومع ذلك جاء الوعيد بلفظ الويل.
والآية الثانية تكشف العلة، وهي أدق ما في هذا المطلع: ﴿إِذَا ٱكْتَالُوا۟ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾. فهو عند الأخذ يطلب حقه تامًا، وعند الإعطاء ينقص. فليست المسألة جهلًا بالميزان، بل علمًا به واستعمالًا له في جهة واحدة. وقد سبق في المغزى تأمل آخر في السورة نفسها عن الغش بإخفاء العيب، وهذه الآيات تضيف إليه أن مقدار النقص لا يغيّر حقيقته.
وليس الكيل والوزن في السوق وحده. فمن الكيل أن يعطي المرء عمله الساعات التي أخذ عليها أجرًا. ومنه أن ينسب العمل إلى صاحبه إذا بنى عليه. ومنه أن يذكر عيب ما يبيع كما يذكر محاسنه. وفي كل ذلك يعرف الإنسان الميزان جيدًا حين يكون الحق له، فيبقى الامتحان في أن يستعمله بالدقة نفسها حين يكون الحق عليه.
نسأل الله أن يرينا الحق في معاملاتنا، وأن يجعلنا ممن يوفون ولا يُخسرون.