عباد الرحمن: أول صفة وُصفوا بها هيئة في المشي
الصدقة والعفو والتواضع تجري على خلاف الحساب الظاهر، وعلّة الأمر بالتواضع ليست إصلاح نفس المتواضع وحده، بل حفظ الناس بعضهم من بعض.
قال الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: 63].
أول صفة ذكرها الله لعباده الذين نسبهم إلى اسمه سبحانه ليست عبادة ظاهرة، وإنما هيئة في المشي.
و“هونًا” ليست ضعفًا ولا تصنّعًا، إنما هي سكينة ووقار، ولين في الجانب لا يطلب صاحبه أن يُرى.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما نقصت صدقةٌ من مال، وما زاد اللهُ عبدًا بعفوٍ إلا عزًّا، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله». رواه مسلم (2588).
واللافت في الحديث أن الأمور الثلاثة تجري على خلاف ما يقتضيه الحساب الظاهر. مال يُنقص منه فلا ينقص، وعفو يبدو تنازلًا فيكون عزًّا، وتواضع يبدو انحدارًا فيكون رفعة.
وقال صلى الله عليه وسلم أيضًا: «إنّ الله أوحى إليّ أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحدٌ على أحد، ولا يبغي أحدٌ على أحد». رواه مسلم (2865).
فعلّة الأمر بالتواضع في هذا الحديث ليست في نفس المتواضع وحدها، بل في حفظ الناس بعضهم من بعض. فالكبر لا يقف عند صاحبه، وإنما ينتقل بغيًا على من حوله.
وأشد ما يُبتلى به المرء في هذا الباب أن يُفتح له باب من علم أو مال أو مكانة، فيظن أنه بلغه بحوله وقوته، وينسى أن الذي أعطاه قادر على أن يمنعه.
اللهم اجعلنا ممن إذا رُفع تواضع، وإذا وُضع صبر، ولا تجعل في قلوبنا كبرًا نُحاسَب عليه.