وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولًا: العهد أمانة معلقة في الذمة
من استسهل إخلاف الوعد الصغير حتى اعتاده هان عليه نقض الكبير وهو لا يشعر، فالعهد يُسأل عنه صاحبه لا مجرد كلمة قيلت ومضت.
قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 34].
وفي الآية ملمح دقيق. فلم يقل سبحانه إن العهد كان واجبًا، بل قال: مسؤولًا. أي أن العهد نفسه يُسأل عنه صاحبه يوم القيامة، فهو أمانة معلقة في ذمته حتى يؤديها، لا مجرد كلمة قيلت ومضت.
وفي التنزيل أيضًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، وهي أول ما افتُتحت به السورة، وفي هذا التقديم تنبيه على منزلة الأمر.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «آيةُ المنافقِ ثلاثٌ: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». رواه البخاري (33) ومسلم (59).
والمراد هنا نفاق العمل لا نفاق الاعتقاد المخرج من الملة، كما قرره أهل العلم. غير أن شدة اللفظ تدل على عظم الأمر.
والعهد ليس عقدًا مكتوبًا فحسب. فهو الموعد الذي يضربه المرء لأخيه، والشرط الذي يلتزم به، والأجل الذي يتعهد به لمن ائتمنه على عمله. وقد جاء: «المسلمون على شروطهم». رواه أبو داود (3594) والترمذي (1352).
وأشد ما يُبتلى به المرء في هذا الباب أن يستسهل إخلاف الصغير حتى يعتاده، فيهون عليه الكبير وهو لا يشعر.
اللهم ألهمنا الوفاء بما عاهدناك عليه وعاهدنا الناس، واجعلنا ممن إذا وعد أنجز، وإذا اؤتمن أدّى.