إيمانياتقراءة دقيقتين

إنظار المعسر في سورة البقرة: التأجيل حكم لازم والإسقاط درجة أعلى

المغزى

التيسير على المدين المعسر ليس كرمًا يتفضل به الدائن، بل وسيلة يرجو بها أن ييسر الله عليه، والدين يجري في سلسلة لا يرى المطالب إلا آخرها.

قال الله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 280).

رتّبت الآية الأمر على درجتين، ولم تجعلهما درجة واحدة. فالإنظار، وهو تأجيل المطالبة حتى يجد المدين سعة، جاء حكمًا لازمًا لا خيار فيه. ثم جاء التصدق بالدين، وهو إسقاطه بالكلية، موصوفًا بأنه ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، أي أفضل لا واجب.

فمن ضيّق على معسر فقد ترك ما لزمه، ومن أسقط عنه فقد بلغ ما هو أعلى. وبين الأمرين مسافة ينبغي ألا تُخلط.

وفي الحديث: «مَن أَنْظَرَ مُعْسِرًا أوْ وَضَعَ عنْه، أظَلَّهُ اللهُ في ظِلِّهِ». رواه مسلم (3006).

وأصرح منه في بيان العلة ما رواه البخاري (2078) ومسلم (1562) عن تاجر كان يداين الناس، فإذا رأى معسرًا قال لفتيانه: «تجاوزوا عنه، لعل الله أن يتجاوز عنا». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فتجاوز الله عنه».

والنظر في تعليل الرجل يكشف المعنى. فهو لم يقل إنه كريم، بل قال: لعل الله أن يتجاوز عنا. جعل تيسيره على غيره وسيلة يرجو بها التيسير على نفسه، وهذا هو الباب الذي فُتح له.

ومن فقه هذا الباب أن العسرة قد تكون حقيقية وإن بدا صاحبها عاملًا مشغولًا. فكم من صاحب عمل يُطالَب بحق وهو نفسه ينتظر حقًا له عند غيره، والدين يجري في سلسلة لا يرى المطالِب إلا آخرها.

اللهم يسّر على المعسرين، واجعلنا ممن ييسّر فيُيسَّر عليه، ولا تجعل في أموالنا حقًا منعناه أهله.

المصادر

  1. سورة البقرة، الآية 280
  2. تفاسير الآية في quran.com
  3. حديث «من أنظر معسرًا» في صحيح مسلم (3006)
  4. حديث التاجر الذي كان يتجاوز عن المعسر في صحيح البخاري (2078)
  5. الحديث نفسه في صحيح مسلم (1562)

من عدد السبت 25 صفر - 8 أغسطس

أخبار ذات صلة

أخبار السبت 25 صفر - 8 أغسطس